هل سبق لك أن شعرت بالغثيان بعد تناول طعام فاسد، ثم شعرت بعدم الارتياح مجدداً عند شم رائحة الطعام نفسه؟ حتى بعد مرور وقت طويل، لا يزال الدماغ يتذكر تلك التجربة الحسية ويربطها بالخطر. لطالما أثار هذا النظام البيئي اهتمام العلماء، لأنه يسمح للإنسان والحيوان بتجنب المواد الضارة بعد تجربة سلبية واحدة فقط.
كشفت دراسة حديثة في علم الأعصاب، نُشرت في مجلة Nature، عن رؤى جديدة حول كيفية بناء الدماغ لهذه الذكريات الحسية المتأخرة. فقد اكتشف الباحثون أن الدماغ قادر على ربط طعم أو رائحة جديدة بمرض يحدث بعد ساعات، وذلك من خلال عملية عصبية متخصصة للغاية تشمل اللوزة الدماغية، وخلايا جذع الدماغ، ومسارات الإشارات المرتبطة بالذاكرة.
وجدت الدراسة أن الدماغ يتفاعل بشكل مختلف تماماً مع النكهات غير المألوفة مقارنة بالنكهات المألوفة.
في التجربة، أُعطيت الفئران إما مشروبًا جديدًا بنكهة العنب أو نكهة اعتادت تناولها لعدة أيام. بعد ثلاثين دقيقة، تسبب الباحثون في اضطراب معوي طفيف. بعد يومين، تجنبت الفئران التي تناولت النكهة الجديدة المشروب بشدة، بينما لم تُظهر المجموعة التي تناولت النكهة المألوفة أي نفور تقريبًا.
تشير هذه النتيجة إلى أن الدماغ يُعطي الأولوية للتجارب الحسية الجديدة لأن الأطعمة غير المألوفة قد تحمل مخاطر غير معروفة. ومن منظور تطوري، تُعزز هذه الآلية فرص البقاء على قيد الحياة من خلال مساعدة الكائنات الحية على تعلم المواد التي يجب تجنبها بسرعة.
يشير العلماء إلى هذه العملية باسم النفور المشروط من الطعم، وهو أحد أقوى أشكال التعلم الترابطي طويل الأمد الموجود في الطبيعة.
إحدى أهم النتائج التي توصل إليها البحث تتعلق باللوزة الدماغية، وهي منطقة في الدماغ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعاطفة والخوف وتكوين الذاكرة.
باستخدام تقنية تصوير الدماغ الكاملة المتقدمة، لاحظ الباحثون أن الخلايا العصبية في اللوزة الدماغية ظلت نشطة خلال ثلاث مراحل منفصلة:
وهذا يعني أن اللوزة الدماغية قد تعمل كـ "جسر زمني" بيولوجي، مما يسمح للدماغ بربط حدثين يحدثان في فترات زمنية متباعدة.
وبشكل أكثر تحديداً، يبدو أن الخلايا العصبية داخل اللوزة الدماغية المركزية قادرة على إعادة تنشيط ذكريات التذوق السابقة بمجرد تعرض الجسم للمرض. حتى بعد انتهاء تجربة التذوق الأصلية، يمكن لإشارات الانزعاج التي تصل لاحقاً أن "تعيد تشغيل" النمط العصبي المرتبط بالنكهة الجديدة.
قد تفسر آلية إعادة التشغيل هذه سبب بقاء بعض الروائح أو المذاقات مؤثرة عاطفياً لسنوات.
كما حدد الباحثون نوعًا معينًا من الخلايا العصبية يسمى الخلايا العصبية CGRP باعتباره رسولًا رئيسيًا بين الانزعاج الجسدي والذاكرة العاطفية.
تقع هذه الخلايا العصبية في جذع الدماغ وتنقل إشارات الضيق المعدي المعوي مباشرة إلى اللوزة الدماغية.
باستخدام علم البصريات الوراثية - وهي تقنية تسمح للعلماء بتنشيط الخلايا العصبية بالضوء - قام الباحثون بتحفيز الخلايا العصبية CGRP بشكل مصطنع وأعادوا بنجاح نفس سلوك النفور الذي لوحظ أثناء المرض.
والأكثر إثارة للاهتمام هو أن التحفيز أعاد تنشيط الخلايا العصبية المرتبطة سابقًا بالنكهة الجديدة بشكل انتقائي، في حين ظلت الخلايا العصبية المرتبطة بالأذواق المألوفة غير نشطة في الغالب.
وهذا يدل على أن الدماغ يخزن المعلومات الحسية غير المألوفة بشكل مختلف عن التجارب اليومية العادية.
وأظهرت الدراسة كذلك أن الخلايا العصبية التي أعيد تنشيطها بقوة أثناء الشعور بعدم الراحة أصبحت أكثر استقراراً بمرور الوقت.
اكتشف الباحثون أن تجارب التذوق الجديدة تنشط مسار إشارات PKA داخل اللوزة الدماغية، مما يزيد من استثارة الخلايا العصبية ويجعل إعادة تنشيط هذه الخلايا العصبية أسهل في وقت لاحق.
في المقابل، لم تُحفز النكهات المألوفة نفس مستوى الحساسية العصبية، وهو ما قد يفسر سبب تكوين الدماغ لروابط عاطفية أضعف مع التجارب الحسية اليومية.
تُبرز هذه الآلية أهمية المرونة العصبية في تعلم البقاء. يبدو أن الدماغ مصمم لحفظ الذكريات المرتبطة بالخطر المحتمل مع تصفية المعلومات الأقل أهمية.
على الرغم من أن الدراسة ركزت على علم الأعصاب الأساسي، إلا أن النتائج قد تؤثر على العديد من التطبيقات المستقبلية التي تشمل حاسة الشم والتذوق والعاطفة والسلوك.
تشمل مجالات الاهتمام المحتملة ما يلي:
مع استمرار العلماء في استكشاف كيفية تأثير الإشارات الحسية على التعلم العاطفي، يُنظر بشكل متزايد إلى حاسة الشم والتذوق على أنهما منظمين بيولوجيين نشطين بدلاً من كونهما تجارب حسية سلبية.
بالنسبة للصناعات المتعلقة بالعطور والروائح، يسلط هذا البحث الضوء أيضًا على العلاقة المتنامية بين علم الأعصاب وإدراك المستهلك وتطوير المنتجات القائم على الحواس.
فيMANROFUN إن الاهتمام المستمر بعلم الروائح، والاتجاهات الشمية، والتجربة الحسية يعكس التحول الأوسع نطاقاً في الصناعة نحو فهم كيفية تأثير الرائحة على السلوك البشري والاستجابة العاطفية.
قد تمثل قدرة الدماغ على ربط العواقب المتأخرة بالتجارب الحسية السابقة أحد أكثر أنظمة التعلم تطوراً في علم الأحياء.
قد تساعد الأبحاث المستقبلية العلماء في نهاية المطاف على فهم ما يلي بشكل أفضل:
مع تقدم علم الأعصاب، أصبحت حاسة الشم والتذوق ذات أهمية متزايدة في فهم كيفية معالجة الدماغ البشري للعاطفة والذاكرة والبقاء على قيد الحياة.